محمود أبو رية

79

شيخ المضيرة أبو هريرة

ولعلنا نكون قد وفقنا في بحثنا هذا ، وكشفنا عما يقصده النبي صلى الله عليه وآله من إقصاء أبو ؟ هريرة إلى البحرين - ومن يماري في ذلك فليأتنا بسبب آخر على أن يكون صحيحا معقولا فنتبعه ! وإذا كان النبي ( صلوات الله عليه ) لم يفصح عن قصده في هذا الامر تصريحا ، فإنه قد ترك لمن خلفه من ذوي الألباب أن يفهموه تلميحا . وإن من حكمته صلوات الله عليه أن يدع مثل هذا الامر بغير أن يكشف عن سببه ، لأنه يأبى بسمو أدبه ، وعظيم خلقه ، أن يؤذى أحدا عرف أنه من أصحابه ، مهما يكن من أمره ، حتى لا يظل على مد الزمن كله . موضع ازدراء الناس وتحقيرهم ، وويل لمن يصيبه مثل ذلك ! سيرته في ولايته علمت مما سقناه إليك من قبل ، أن أبا هريرة بعد أن قضى في الصفة ما قضى بعثه النبي فيمن بعثهم مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين ، وكان ذلك في شهر ذي القعدة سنة 8 ه‍ وأن العلاء قد سأله عما يستطيع عمله في البحرين فرغب في أن يكون ( مؤذنا له ) . ونذكر هنا أن عمر قد ولاه على البحرين سنة 20 ه‍ ( 1 ) كما روى الطبري وبعد ذلك بلغ عمر عنه أشياء تخل بأمانة الوالي فعزله وولى مكانه عثمان بن أبي العاص الثقفي - ولما عاد وجد معه لبيت المال أربعمائة ألف ( 2 ) فقال له : أظلمت أحدا ؟ فقال لا . قال : فما جئت لنفسك ؟ قال : عشرين ألفا . قال : من أين أصبتها ؟ قال كنت أتجر ( 3 ) . قال : انظر رأس مالك ورزقك فخذه ،

--> ( 1 ) رواية الطبري أن عمر ولاه سنة 20 ه‍ بعد أن عزل عنها قدامة بن مظعون وذكر بعض المؤرخين أن ولايته كانت بعد العلاء سنة 21 ه‍ . وفى بعض الروايات أن توليته كانت في غير هذه السنة . ( 2 ) يبدو أن البحرين كانت غنية جدا ، وأنه كان يأتي منها لبيت المال ما لم يأت مثله من غيرها . قال حميد بن هلال : بعث الحضرمي إلى رسول الله بمال ، ثمانين ألفا من البحرين فنثرت على حصير ، فجاء النبي فوقف ، وجاء الناس فما كان يومئذ عدد ولا وزن ، ما كان إلا قبضا - ص 66 ج 2 سير أعلام النبلاء للذهبي ، وقد ذكر البلاذري هذا الخبر في فتوح البلدان ص 81 طبع أوروبا . فقال : إنه ما أتاه أكثر منه قبله ولا بعده . ( 3 ) هل يليق بالوالي الأمين أن يتجر ؟ وانظر فيما بعد كيف يكون الولاة الامناء .